وسط البلد الساهرة ترفض "النوم بدرى".. أصحاب المحلات والمقاهى: "إحنا شغلنا كله بالليل والقرار هيغير شكل القاهرة".. والأهالى: "القرار حظر تجول بشياكة".. وخبير اقتصادى: غير مدروس

السبت، 20 أكتوبر 2012 - 04:09
مقاهى وسط البلد
كتبت إيناس الشيخ

مع اختفاء شعاع النور الأخير تستيقظ "وسط البلد" لتطل على المارة برائحتها الساحرة التى تنبعث من وراء مبانيها الضخمة، فى مكان ما فى شوارعها المتداخلة تختبئ مفاتيح أسرار المدينة الكبيرة، التى تبدأ فى سرد حكاياتها مع نزول الليل طاردة عنها غبار اليوم الطويل، تاركة روح "قلب القاهرة" فى التسلل إليك برفق بمجرد تجولك فى شوارعها تاركاً ميدان التحرير خلفك، متوجهاً إلى تمثال "طلعت حرب" فى قلب الميدان الذى حمل اسمه ووقفت على نواصيه الأربعة أشهر عمارات العالم، أثناء مرورك بشارع طلعت حرب تستوقفك مرارا أضواء محلاتها الساطعة، وعلى يمينك يقف مقهى "ريش" إحدى أشهر معالم "وسط البلد" التى لا تنام، فى منتصف الميدان الكبير ينبعث "صوت الست" من إحدى المقاهى المتناثرة داخل الشوارع الجانبية معلناً عن سهرة صباحى اشتهرت بها وسط البلد بين دول العالم.



منحرفاً إلى اليمين مع الناصية الأولى لشارع "صبرى أبو علم" تستوقفك ضحكات الساهرين على مقهى "زهرة البستان" أحد أشهر مقاهى وسط البلد، والذى تتجاوز سنوات وأن عمره الثمانون عاماً، الأحاديث الجانبية لرواد المقهى الكبير لا تخلو من مناقشة قرار إغلاق المحال فى تمام العاشرة مساء مع بداية الشهر القادم، وجهات نظر مختلفة لا تخلو من نكات متطايرة على الطاولات الخشبية الممتدة تحت لافتة المقهى الذى يجمع بين كبار الكتاب والفنانين من عشاق وسط البلد، أعلنت معظمها عن الرفض القاطع لقرار إطفاء أنوار "وسط البلد" والحكم على روادها بالنوم مبكراً على حد تعبير معظم من تجولت بينهم "اليوم السابع" فى محاولة لرصد أراء أهالى المنطقة الأصليين.



"عاطف سلامة" أو من يعرفه الجميع "بريس قهوة البستان"، متجولاً وسط الزبائن يصيح فى "القهوجية" المتناثرين هنا وهناك بسرعة توصيل الطلبيّات، منهمكاً باستقبال الزبائن المنحرفين من الشارع الضيق "تفضل يا باشا يا أهلاً وسهلاً"، ظهرت على وجهه معالم الغضب عندما بدأ حديثه عن رأيه فى قرار إغلاق المحلات مبكراً، "هوا فى كده.. إحنا بنبدأ شغل الساعة 9 بالليل لما الزبون يخلص كل اللى وراه ويجى يسهر هنا فى القهوة" مستكملاً رص الطلبيات يضيف سلامة قائلاً: القهوة دى بقالها 80 سنة، وأنا ماسكها من سنين السنين عمرنا ما شطبنا قبل 2 بالليل هى دى وسط البلد اللى عايز يسهر يجى عندنا والمحلات بتفضل فاتحة ومنورة وهنا الأمان"أمام من وجهة نظره الاقتصادية البسيطة فيشرح سلامة الأزمة يقية لهذا القرار قائلاً: الشغل يقى بيبقى بالليل، وكل اللى بيشتغله هنا فى وردية بالليل دول هيتقطع عيشهم، هنمشيهم من هنا عشان الحكومة عايزة تطفى النور بدرى يعنى يجوعوا هما وعيالهم".



على ناصية نفس الشارع الذى ينحرف بك إلى قهوة زهرة البستان يقع محل "نجمة الميدان" منذ سنوات طويلة اشتهر الدكان الصغير ببيع الملابس قبل أن يتم تجديده مؤخراً، هنا يجلس الحاج سيد صاحب الدكان العريق، مهموماً من التفكير فى استعداده للتشطيب فى التاسعة مساء للحاق بميعاد الإغلاق الرسمى، "أنا بافتح بعد الظهر والرجل بتجرى على المحل على الساعة 8 كده.. يعنى افتح ساعتين وبعد كدة أقول للزباين روحوا شطبنا.. القرار ده هيأثر فى حركة البيع والشراء وهيغير شكل وسط البلد اللى طول عمرها منورة" يقول "الحاج سيد" الذى اعتاد فتح أبوابه متأخراً فى انتظار الزبائن الذين تزداد أعدادهم مع دخول الليل.



على الناصية المواجهة لمحل "نجمة الميدان" تستقر عمارة "جروبى" التى يقع تحتها المقهى حاملاً نفس الاسم لسنوات طويلة لم ينشغل زواره بعدها، هنا التقى أكبر الروائيين والشعراء وجلس إلى جانبهم الفن والمجتمع، المحل لا يغلق أبوابه سوى مع خروج أخر زبون من المقهى الأشهر بوسط البلد، على حد قول "محمد عيسى" مدير المقهى منذ ما يزيد عن خمسة عشر عاماً، وعن رأيه فى قرار الإغلاق يقول "عشت هنا لسنوات طويلة فى استقبال زبائن المقهى، ولا أتخيل وسط البلد مظلمة، بعد أن أضاءت ليالى القاهرة لسنوات طويلة، القرار يخاطب ظروف مختلفة عن ظروف مصر الحالية، الكثير من الموظفين يستغلون فترات الليل فى عمل إضافى لكسب الرزق وهذا القرار من شأنه قطع عيش الكثير منهم".



لن تبتعد كثيراً عن قلب ميدان طلعت حرب حتى يواجهك مقهى "البورصة" التى تعد من أشهر مقاهى وسط البلد بلا منازع، وسط المقاهى المتداخلة بطول شارع البورصة وما حوله من شوارع جانبية تتعالى ضحكات مئات الزبائن المتناثرين على المقاعد التى تراصت بجانب بعضها، على ناصية شارع "قصر النيل" تستقر قهوة "كوزمو" إحدى أقدم مقاهى البورصة التى اعتاد الحج "حمدى عبد المهيمن" الجلوس بها لمراقبة توافد الزبائن، ومتابعة حركة السياحة من مكانه على مكتب صاحب المقهى.



بصحبة أصدقائه من أصحاب المحلات يجلس الحاج "حمدى" لمناقشة القرار الذى لا يرضى عنه أصحاب محلات ومقاهى وسط البلد: "الثورة قامت من على القهوة" هكذا بدأ حديثه معبراً عن أهمية المقاهى فى تشكيل طابع الشعب المصرى الذى يتخذ معظم قراراته الهامة أثناء جلوسه على القهوة كما وصف الحاج "حمدى" صاحب قهوة كوزمو، أما عن قرار إيقاف الحياة بوسط البلد وغيرها مبكراً فكان له رأى أخر "أنا اعتبر هذا القرار حظر تجول بشياكة" ويقول "كتير من اللى بيشتغلوا فى القهوة موظفين وعندهم شغل الصبح، وبالليل ده شغل إضافى دول هيتقطع عيشهم، غير إن القرار ده هيخلق سهرات فى حتت مقفولة بعيدة عن الشارع وساعتها توقع أى حاجة غلط ممكن تحصل.. أنا شايف أن كده بنقتل روح مصر اللى طول عمرها اسمها الأمن والأمان".



مقترحاً أحد الحلول قال الحاج "حمدى": لو عايزين يوفروا الكهربا يقطعوها من الساعة 10 واللى عايز يفتح بعد 10 يدفعوه كهربا زيادة".


لم يختلف رأى زبائن المقاهى أو المحلات عن أراء أصحابها، عندما تدخل أحدهم فى الحديث ساخراً "يعنى لا فى شغل ولا فى قهوة" هكذا بدأ "عليوة عبد الغفار" أحد الزبائن الذى جلس مع أصدقائه منشغلاً بالحديث فى هذا القرار" القرار ده مش صح عايز تخنق الناس وتنيمها بدرى.. صحيح كل دول العالم بتعمل كده بس مصر حاجة تانية ووسط البلد ليها روح تانية ملهاش دعوة بالكلام ده.. بدل ما تفكر تقفل النور على الناس فكر تأكلهم ولا تشوفلهم شغل الأول".



"محمد رياض" مهندس بترول شاب جلس بجانبه رافضاً الطريقة التى تقرر بها إغلاق المحلات فى العاشرة مساء قائلاً: مينفعش تقولى روح نام الساعة 10 قولى إيه الأسباب.. فى ناس بتخلص شغلها الساعة 10 بالليل، دول يروحوا فين لو عايزين يشتروا حاجة؟".

أما "هانى سمير" الذى يجلس بصحبة صديقه يومياً على مقهى "أم كلثوم" فقد اقترح تنفيذ القرار لمدة ثلاثة أيام فى الأسبوع على أن يتم تخصيص الخميس والجمعة والسبت من كل أسبوع للسهر ومتابعة حركة البيع والشراء ليلاً كما اعتادت معظم محلات وسط البلد.



"محمد عصقلانى" واحد من الزبائن أجتذب طرف الحديث قائلاً: فى ناس شغلها كله بليل.. وناس كتير معتمدة على الساعتين بتوع بالليل عشان تزود دخلها حرام يناموا من المغرب هو إحنا فى حالة حرب".

أمام "محمد ربيع" الذى يعمل بسوق قطع الغيار بالتوفيقية فينهى عمله يومياً فى تمام التاسعة مساء، "لو عايز أشترى أى حاجة بنزل بعد الشغل دلوقتى هخلص شغلى وأروح".

الآراء البسيطة التى تشابهت فى رفض قرار إغلاق المحلات مبكراً لم تختلف كثيراً عن الرأى الاقتصادى للدكتور "حمدى عبد العظيم" الخبير الاقتصادى وعميد أكاديمية السادات سابقاً الذى وصف القرار بغير المدروس، وعن نتيجة هذا القرار على الوضع الاقتصادى فى الفترة الراهنة قال "عبد العظيم": قرار إغلاق المحلات مبكراً من شأنه التأثير سلباً على حركة البيع والشراء خاصة فى الأسواق والشوارع التجارية مثل منطقة وسط البلد، وذلك نتيجة لتقليص فترة الشراء التى تزدهر ليلاً فى معظم الأسواق.



يكمل عبد العظيم: "الإغلاق المبكر سيتسبب بلا شك فى زيادة الركود الاقتصادى، وزيادة معدلات البطالة نظراً لغلق أبواب العمل الإضافى التى غالباً ما تبدأ بعد الساعة السابعة، وحتى منتصف الليل، إلى جانب عدد من الأزمات الأخرى، التى سيتسبب فيها هذا القرار، مثل زيادة معدلات استهلاك الكهرباء فى المنازل، وزيادة أزمة الاختناقات المرورية بعد الساعة العاشرة نتيجة لتكدس الأعداد المتوجهة إلى المنازل فى نفس الساعة، مما سيزيد من أزمة الزحام والمواصلات".

ويضيف قائلاً: "القرار غير مدروس جيداً، وأثبت فشله من قبل فى التسعينات، وأنا أتوقع أن يثبت فشله مرة أخرى خاصة فى ظل حالة البطالة وزيادة معدلات السرقة فى السنوات الأخيرة".



















View more the latest threads: