هل يسير السيسى على خطى عبد الناصر؟


«واشنطن بوست» تتساءل عن الدور السياسى الكبير الذى ينتظر وزير الدفاع

واشنطن خلال الـ48 الساعة الأخيرة لم تحاول فقط السعى لإيجاد مخرج للوضع المتأزم فى مصر بل حاولت (وبالتأكيد لن أقول نجحت) فى «أن تبعد نفسها وتؤكد عدم اتفاقها» مع ما قاله السيناتور جون ماكين من تصريحات وما سببه من غضب عارم لدى المصريين. وصدر بيان مشترك أمريكى أوروبى من كيرى وآشتون لتوصيف الموقف وأيضا المحاولة لاحتواء الأزمة وإيجاد حل سلمى تفاديًا للعنف المحتمل. وواصل هيجل وزير الدفاع اتصالاته المكثفة مع نظيره المصرى السيسى، وحسب ما صدر من بيانات من البنتاجون فإن هذه المكالمات حول تطور الأوضاع فى مصر جرت أيام 3 و5 و6 من هذا الشهر. وأمس تساءلت صحيفة «واشنطن بوست» فى تقرير مطول لها من القاهرة: «هل سيخوض السيسى الانتخابات لكى يكون رئيسا؟»، ويُذكَر أن الصحيفة فى حوارها الأخير مع السيسى تناولت أيضا هذا الأمر وتلقت إجابته بالنفى. ومساء أول من أمس الأربعاء صدر بيان عن البيت الأبيض يتحدث عن مكالمة هاتفية بين الرئيس أوباما وأردوغان رئيس الوزراء التركى تناولت مصر وسوريا.
وحسب بيان صادر من البيت الأبيض فإن المكالمة تمت حسب طلب أردوغان والرئيس أوباما أجراها بينما كان فى كاليفورنيا. وفى ما يخص مصر ذكر البيان أن «الرئيس ورئيس الوزراء أعربا عن قلقهما تجاه الوضع فى مصر وتشاطرا الالتزام بدعم بعملية ديمقراطية لا إقصاء فيها تتحرك إلى الأمام». وقد جاءت هذه المكالمة بعد فترة صمت طالت وامتدت ما بين واشنطن وأنقرة بعد تظاهرات إسطنبول وعزل مرسى وتباين المواقف المعلنة بينهما.
ولا شك أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها خلال اليومين الماضيين فى موقف لا تُحسَد عليه، بل يجب أن تُلام بسببه كما يقول المراقبون. وسواء اختلفنا أو اتفقنا عما إذا كانت الإدارة «وجدت نفسها» أو بالأحرى «وضعت نفسها» فى هذا الموقف «السخيف» بسبب تصريحات ماكين «الخرقاء» أو «الحمقاء» (وهو ما اتفق عليه أغلب المصريين)، فإن المتحدثة باسم الخارجية جين ساكى يوم الأربعاء حاولت من خلال الأسئلة المطروحة حول هذا الأمر تخفيف الأجواء أو تلطيفها، إلا أنها لم تفلح، بخاصة أن عديدًا من التساؤلات ظل بلا إجابة واضحة محددة حول توقيت زيارة السيناتورين الجمهوريين جون ماكين وليندسى جراهام فى أثناء مهمة نائب وزير الخارجية ويليام بيرنز. ثم الصمت الكامل من جانب المسؤول الأمريكى وهو الممثل الرسمى للإدارة مبعوثا إلى القاهرة وترك الساحة لمؤتمر صحفى يعقده عضوان بالكونجرس ليقال فيه ما قيل ويثور بركان من الغضب لدى المصريين، وكيف أن توقيت كلام ماكين التصادمى وأسلوب حديثه ضربا عُرض الحائط بكل ما كانت تحاول الخارجية أن تحققه فى مصر دبلوماسيًّا وبأسلوب هادئ. نعم الإدارة من خلال تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض نأت بنفسها عما يفعله ويقوله ماكين وجراهام، كما أن المتحدثة باسم الخارجية حرصت على القول بأن بيرنز هو الممثل الرسمى للإدارة وأن ماكين فى القاهرة بصفته الشخصية وكمواطن أمريكى. إلا أنه مهما قيلت الأعذار فإن ما حدث أخيرا يضاف إلى قائمة الأخطاء الجسيمة التى ارتُكبت من جانب واشنطن فى التعامل مع مصر ومشاعر المصريين، ثم كما هى العادة أجريت روتينيًّا عملية محاسبة ومراجعة من أجل تفادى تكرارها. وقد حدث ما حدث أخيرا، وما زاد الطين بلة هو هذه الدربكة والخبطة والورطة التى وقعت فيها واشنطن بكامل إرادتها. وطبعا «هى مش ناقصة أصلا» خصوصًا أن لا أحد يصدق أنه خطأ غير مقصود.. بل هناك اعتقاد دائم بأنه خطأ متعمَّد وخطوة تم تدبيرها لإيصال رسالة ما. وبالطبع تضيع ائق وينعدم التواصل عندما نجد أنفسنا أمام تهوين أمريكى لأمر ما فى مقابل تهويل مصرى للأمر نفسه!
ولم يطرأ أى تغيير فى التواصل المستمر بين تشاك هيجل وزير الدفاع الأمريكى ونظيره المصرى الفريق الأول عبد الفتاح السيسى. وحسب ما صدر من بيان عن جورج ليتل المتحدث باسم البنتاجون يوم 6 أغسطس فإن السيسى اتصل صباح اليوم نفسه بهيجل ليُطلِعه على التطورات فى مصر، والسيسى وهيجل ناقشا التقدم فى جهود الوساطة الأمريكية الأوروبية. وأن السيسى أكَّد من جديد رغبته فى حل سلمى للاحتجاجات الجارية وشدد من جديد التزامه بخارطة طريق سياسية شفافة ولا إقصاء فيها أعلنتها الحكومة المدنية المؤقتة. كما قام بشكر الوزير هيجل لدعم الولايات المتحدة وجهودها الدبلوماسية الجارية من أجل منع العنف وتهدئة التوتر وتيسير حوار لا إقصاء فيه، وذلك لتمهيد الطريق قدما نحو الانتقال إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيًّا. وأن الوزير هيجل أكد أهمية عملية سياسية شفافة لا إقصاء فيها والتى تشمل كل المصريين».
وجاء البيان المشترك من كيرى وكاترين آشتون ممثلة الاتحاد الأوروبى فى نهاية يوم الأربعاء وقبل ساعات قليلة من حلول عيد الفطر المبارك لكى يحدد المواقف ويبين الجهود حتى لا تنجرف مصر إلى المصادمة أو «حافة الهاوية» (التى أشار اليها كثيرون فى الأيام الأخيرة). وقال البيان: «وعلى الرغم من أن مواجهات أكثر عنفًا قد تم تفاديها حتى الآن، فإننا نبقى قلقين ومنزعجين من أن قادة الحكومة والمعارضة لم يجدوا بعدُ طريقة لكسر طريق مسدود خطير والموافقة على تنفيذ إجراءات ملموسة لبناء الثقة. إن الحكومة المصرية تتحمل مسؤولية خاصة لبدء هذه العملية من أجل ضمان أمن وخير مواطنيها. والوضع يبقى هشًّا للغاية ويحمل ليس فقط المخاطرة بسفك دماء أكثر واستقطاب أكثر فى مصر ولكن يعوق الانتعاش الاقتصادى الذى يُعَدّ ضروريًّا جدًّا لانتقال مصر الناجح. وليس هذا هو الوقت لإلقاء اللوم، ولكن لأخذ خطوات قد تساعد على بدء حوار والتحرك بالعملية الانتقالية إلى الأمام».
ومن ضمن ما أشار إليه البيان «ليس هناك أى شىء سلس أو سهل فى أى اختيار، ولكن إذا استطاعوا أن يقوموا بهذه الاختيارات الصعبة ولكن الإيجابية، فإن المصريين سيجدون شركاء عازمين (على المشاركة) فى أوروبا وأمريكا». وبالطبع البيان فيه كثير من الإشارات والتلميحات والتصريحات، إلا أنه سوف يثير كثيرًا من التفسيرات المتناقضة والتعليقات المتباينة بعد قراءتها وطرحها للنقاش. ولم ينسَ البيان أن يذكر فى نهايته: «نحن معًا نفهم تماما بأن المصريين فقط يمكن أن يقوموا باختيارتهم التى ستشكل مستقبلهم فى هذه اللحظة التاريخية. نحن نساند المبادئ الديمقراطية الأساسية، لا شخصيات بعينها أو أحزابًا معينة. نحن نعارض بشدة العنف ونساند حق الاحتجاجات السلمية وندرك أن التقدم فى مصر يمكن أن يأتى فقط من خلال عملية سياسية سلمية تستطيع أن تتنافس فيها كل الأحزاب على قدم المساواة». ووسط هذه الأجواء من الترقب والتخوف لا أحد بالطبع يستطيع أن يدّعى أن لديه «العصا السحرية» لتخفيف المواجهة و«تخفيض درجة سخونتها» أو لتفادى الصدام وسفك الدماء. هناك واقع جديد يجب أن يقبله الإخوان، وهناك وضع متأزم يجب أن تتعامل معه الحكومة المؤقتة بحكمة وحسم أيضا. ولا شك أن الوساطة الأوروبية الأمريكية أخفقت، أو فلنقل لم تنجح فى إقناع الإخوان بالتراجع عن المواجهة والمصادمة و«قبول الأمر الواقع». ونعم عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، ولكن عقارب الساعة لن تتوقف فى مكانها أيضا، والساعات تتوالى والأيام تمر والمأزق المتأزم يتفاقم.. وبالطبع الحل الأمنى له عواقب وتبعات.. داخليًّا وخارجيًّا على السواء.



View more the latest threads: