ميشيل حنا يكتب.. «مطار الكويت القديم في أديس أبابا»

مطار الكويت في اديس ابابا

نشر: 3/9/2013 5:45 ص – تحديث 3/9/2013 5:45 ص
ذهبت إلى إثيوبيا متطوعًا مع هيئة خيريّة تقوم بتقديم خدمات علاجيّة مجانيّة لغير القادرين فى الدول النامية

قيل فى ما مضى إن فى السفر سبع فوائد، لكنى أستطيع أن أؤكد أن فوائد السفر أكثر بكثير من مجرد سبع. إن مجرد الخروج من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) به بضع فوائد لا بأس بها، أيا كان موضع النقطة (ب)!
كانت تجربة السفر مقلقة بالنسبة لى، فهذه أول مرة أسافر وحدى، وقد كانت آخر مرة ركبت فيها طائرة منذ أكثر من عشرين عامًا! كنت مجرد طفل صغير يمسك يد والده ويمضى معه دون أن يشغل باله بشىء. اليوم يجب أن أشغل بالى بكل شىء!
فى البداية كان يجب أن أحصل على التطعيمات اللازمة للمسافر إلى إثيوبيا. كان هناك قلق أيضا من مسألة الملاريا، والمعلومات متضاربة على الإنترنت بخصوص هل يجب أن أتعاطى علاجًا واقيًّا منها طوال إقامتى هناك أم لا. لم أكن أريد أن آخذ العلاج الواقى من الملاريا، لأن كل الأنواع لا تخلو من الآثار الجانبية، وأقلها إصابة العينين بحساسية ضد الضوء بحيث أنك لا تستطيع أن تفتح عينيك فى الجو المشمس. لكنى استبعدت الملاريا فى النهاية اعتمادًا على معلومتين: الأولى أن أديس أبابا مرتفعة جدا عن سطح البحر، وبالتالى فهى خارج نطاق الوباء، والمعلومة الثانية هى أن الفترة التى سافرت فيها كانت خارج موسم الملاريا فى هذه المنطقة.
وهكذا ذهبت إلى الوحدة الصحية للحصول على الكارت الأصفر (الذى من المفروض أن أبرزه عند عودتى إلى البلاد فى المطار وإلا حجزونى فى الحجر الصحى إلى أن يثبت خلوّى من الأمراض، لكن هذا لم يحدث ولم يسألنى عنه أحد!)، وقامت ممرضة عصبيّة ترتدى نظارة سميكة جدا بغرس ثلاثة مسامير فى ذراعى -من المفترض أنها محاقن-واحد للحمى الشوكية، وواحد للحمى الصفراء، وواحد للكوليرا.
بعد بضعة أيام من التطعيم سأكون محصّنا من هذه الأمراض الثلاثة، فلا يجب علىّ أن أقلق بخصوصها، لكن هذا لم يمنعنى من أعود من هناك بالتهاب كبد وبائى كاد يقضى علىّ!
ثم كان علىّ أن أبتاع حقيبة سفر جديدة لزوم الوجاهة، ثم أعدّ قوائم -بحسّى الوسواسى المعتاد- بالأشياء التى يمكن أن أحتاج إليها فى السفر لأجهزها. أعتقد أننى لم أنس شيئًا، حتى الرواية الاحتياطية التى يمكن أن تسلينى تحسّبا لاحتمالية وجود أوقات من الملل! حجز تذكرة الطائرة. تشغيل خدمة التجوال وشحن الهاتف بالكهرباء والمال. الاتفاق مع شخص يوصلنى للمطار وشخص آخر يأخذنى فى اليوم الموعود. الاتصال بالبنك لتشغيل كارت الفيزا فى إثيوبيا فى فترة السفر. إجراءات الحصول على الفيزا من السفارة. التأكد من وجود ختم معفى من التجنيد على الباسبور. تفاصيل تفاصيل تفاصيل تكاد تصيب المرء بالجنون فى النهاية. صار السفر فى أيامنا شيئا معقدا جدا. تذكرت ما كتبه سلامة موسى فى كتاب السيرة الذاتية الخاص به (تربية سلامة موسى) من أنه حين قرر السفر إلى باريس عام 1908 دفع ثمن تذكرة ركوب السفينة وأخذ بعض الملابس ومضى! هكذا ببساطة! لا توجد إجراءات سفر أو تصريحات أو فيزات ولا أى شىء من هذا القبيل! بعدها سافر إلى لندن ومنها إلى المغرب بنفس الطريقة. مجرد أن تدفع ثمن التذكرة وتمضى! كان السفر إلى باريس أو لندن لا يفرق أبدًا عن السفر إلى طنطا أو أسيوط!
فى مطار القاهرة رأيت (الإنجازات) التى صدّعنا بها أحمد شفيق، وكأنه نفذها من ماله الخاص، وليس من اعتمادات الدولة! كل شىء فخم ولامع مع لافتات إرشادية سهلة، وسيور متحركة تقف عليها لتسير بك فى الممرات الطويلة دون أن تُتعب نفسك بالمشى، تمامًا كأفلام الخيال العلمى! أعطيتُ أوراقى لضابط الجوازات. ظللت أنتظر أن يتفحص وجهى ثم يقارن بينه وبين صورة أسفل المكتب ثم يقول لى اتفضل معانا من غير شوشرة! لعله سيجد اسمى ضمن الممنوعين من السفر لتشابهه مع اسم أحد المجرمين أو شىء من هذا القبيل. يبدو أن الأفلام ة أفسدت تفكيرى! لكن الرجل ختم الأوراق وأعطانى إياها دون كلمة. لحسن الحظ لم يكن هناك مجرمون كثيرون يحملون اسم ميشيل!
بعد فترة الانتظار الطويل، ثم تفتيش أمتعة الركاب التى ستصعد معهم إلى الطائرة، واستبعاد كل ما هو حاد أو موضوع فى زجاجة أو به سائل، تكوَّنَت فى سلة كبيرة ثروة صغيرة من العطور والمقصات وزجاجات العصير والمياه وماكينات الحلاقة ومختلف الأدوات! ظللت أفكر فى مصيرها وإلى من ستؤول فى نهاية اليوم!
عندما ركبت الطائرة أخيرًا بدت لى صغيرة جدا. مجرد أنبوب رفيع وضيق جدا تتحرك داخله بصعوبة. عندما كنت صغيرا كانت تبدو لى الطائرة من الداخل هائلة الحجم. كنت أجلس ولا أرى سوى ظهر المقعد العالى أمامى يسد الرؤية. اليوم ظهرت لى الطائرة على حقيقتها!
كنت قد حرصت على أن أحجز لنفسى مقعدًا بجوار النافذة لأراقب الأرض من النافذة طوال الطريق، لكن لأن السفر كان ليلًا فلم أرَ شيئا. يبدو أن أسعار حجز مسارات الطرق الجوية يكون أرخص فى المواعيد الليلية لهذا تكون معظم مواعيد السفر على طائرات مصر للطيران بعد منتصف الليل!
استغرق الطيران نحو 3 ساعات و45 دقيقة لأجد نفسى بعدها غريبًا فى أرض غريبة.
فرق شاسع بين مطار أديس أبابا (يعرف بمطار بولى الدولى Bole International airport) ومطار القاهرة. فرق السما من العمى. تشعر كأنك انتقلت فورا إلى الثمانينيات، ودون آلة زمن! فى ما بعد قيل لى إن هذا المطار ليس إلا مطار الكويت القديم وقد تم تفكيكه وإهداؤه لإثيوبيا! إلا أننى لست متأكدًا من مدى صحة هذه المقولة.
مع هذا فهو المطار رقم 9 فى قائمة أكثر المطارات ازدحامًا فى إفريقيا (مطار القاهرة هو رقم 2 بينما يحتل مطار جوهانسبرج الرقم 1)، حيث يستقبل أكثر من 150 رحلة يوميا، كما أنه ثالث أكبر مطارات إفريقيا من حيث المساحة.
الإجراءات هنا بدائية بشكل كبير، لدرجة أن المطار يفرض على المسافر أن يخلع حذاءه وحزامه ويتخلص من أى شىء معدنى فى أثناء التفتيش (تمامًا مثل إعلان سفن أب!)، ولا يتم هذا مرة، إنما مرتان! لحسن الحظ أن هذا يحدث مع المغادر وليس القادم، لكنى سأمر بهذه المراحل عند مغادرتى البلاد.
أعطيت أوراقى لموظفة الجوازات، والتى قالت لى فى ما يبدو أنها الجملة الإنجليزية الوحيدة التى تحفظها: Look Camera! بينما تشير إلى كاميرا رقمية صغيرة أعلى الزجاج. نظرت إلى الكاميرا التى التقطت صورة لوجهى على ما يبدو.
ظلَّتْ لفترة طويلة جدا تفعل أشياء لا أراها أسفل الكاونتر، حتى تخيلت أنها تطلب لى الإنتربول! لكنها أخيرا أعادت لى الأوراق دون كلمة أخرى، فقد كان رصيدها من اللغة الإنجليزية قد انتهى.
فى صالة السفر انكبّ علىّ سائقو التاكسى يعرضون خدماتهم كالعادة، وهى الظاهرة التى رأيتها عندما عدت إلى القاهرة أيضا مع فرق أنهم فى القاهرة أكثر إلحاحًا ولزوجة. ظللت أتلفت بحثًا عن ماجد، لكنى لم أستطع رؤيته.
ماجد هو زميلى فى هذه الرحلة، الذى سبقنى إلى هنا ببضعة أيام، وقد وعدنى أن يأتى لاستقبالى. نظرت فى الساعة فوجدت أننى قد وصلت مبكرًا فأخذت أتسكع، وقد فاتنى أن أدرك أن هناك فرق ساعة فى التوقيت بين القاهرة وأديس أبابا، أما ماجد فظل واقفًا أكثر من نصف ساعة، وهو يشير إلىّ من خلف الزجاج، بينما أنا فى حالة من التوهان والدهولة، فلم أنتبه له مطلقًا. أما لماذا كان يشير إلىّ من خلف الزجاج بالخارج فلأن المطار يمنع المستقبلين من دخوله، فلكى تدخل المطار وأنت غير مسافر عليك استخراج تصريح أمنى لا يستخرَج بسهولة!
أخيرًا خرجت من المطار بصحبة ماجد وسائق التاكسى الذى أحضره معه، وبعد أن وضعنا ائب فى التاكسى وانطلقنا فى الطريق، تذكرت أننى نسيت حقيبة الظهر فى المطار!
عدنا مرة أخرى إلى المطار وأخذت أهرول بالداخل محاولًا الوصول إلى جهاز الكشف عن المعادن الذى نسيت يبة بجواره، واكتشفت لحظتها أن كل صالات وأبواب المطار متشابهة، وظللت أدور حول نفسى بالداخل كأننى فى متاهة المينوتور. كيف أسأل عن مكان الماكينة التى تضع فيها ائب لتكشف عليها بالأشعة قبل الدخول؟ ما اسم هذه الماكينة بالإنجليزية؟ وحتى لو كنت أعرف لها اسمًا فهل سيفهمه العاملون فى المطار بإنجليزيتهم الكسيحة؟
ظللت أعيد الأحداث فى رأسى بشكل عكسى حتى وصلت إلى الماكينة المقصودة أخيرا، ولدهشتى كانت يبة لا تزال على الأرض جوارها، التقطتها ومضيت!
كانت الساعة نحو الخامسة صباحًا حين وصلت إلى سرير أخيرًا. ارتميت عليه وظللت أحدق فى السقف لبقية الليل لأننى غير معتاد على النوم فى مكان غريب، ولم تكد عيناى تغفلان فى الثامنة صباحًا تقريبًا حتى وجدت ماجد يوقظنى: قوم.. قوم.. ورانا مشاوير كثير! أخذت أرتدى ملابسى على عجل، وأنا أفكر فى أننى لم أتناول عشاءً بالأمس ولا إفطارًا فى الصباح، لكن كلها بضع دقائق وكنت فى الشارع!



التحرير