26 سبتمبر 2013 5:08 ص
-
واشنطن ترضخ لإرادة الشعب المصرى

أوباما
فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع بدء دورتها الجديدة، قال الرئيس الأمريكى باراك أوباما، إن «الولايات المتحدة ستبقى على علاقة بناءة مع الحكومة المصرية الحالية والتى تعزّز مصالح جوهرية بين البلدين، مثل اتفاقات كامب ديفيد ومكافحة الإرهاب، إلا أنه انتقدها أيضًا، لأنها اتخذت قرارات فيها إقصاء وفيها قمع للحريات».
ووصف أوباما محمد مرسى بأنه «(كان غير راغب ولا قادر) على أن يحكم مصر بطريقة تشمل الكل»، كما شدّد أوباما أيضًا فى خطابه على أن أمريكا ترفض فكرة أن حقوق الإنسان صادرات غربية ولا تتوافق مع الإسلام والعالم العربى.
كما أبلغ أوباما قادة العالم من خلال كلمته (التى استغرقت 42 دقيقة)، أنه «سيخصص الفترة المتبقية من رئاسته للوصول إلى حل تفاوضى فى المواجهة مع إيران والسعى إلى خلق دولة خاصة بالفلسطينيين، وأن الولايات المتحدة عليها أن تحتفظ بدورها فى الشرق الأوسط»، بينما احتلت سوريا وإيران وعملية السلام جزءًا كبيرًا من خطاب أوباما.
أوباما، وهو يتحدّث عن التغيير ومصر، قال «عندما بدأت الانتقالات السلمية فى تونس ومصر كان العالم كله مليئًا بالأمل. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة (مثل الآخرين) كانت قد صدمت بسرعة الانتقال، وعلى الرغم من أننا لم نقم (وفى يقة لم نستطع) إملاء الأحداث، فإننا اخترنا أن نساند هؤلاء الذين نادوا بالتغيير، ونحن قمنا بذلك على أساس أنه رغم الاعتقاد أنه ستكون هناك انتقالات شاقة وقد تحتاج إلى وقت، فإن المجتمعات المبنية على الديمقراطية والانفتاح وكرامة الفرد ستكون فى نهاية المطاف أكثر استقرارًا وأكثر رخاء وأكثر سلامًا».
ثم أضاف، والحديث كان عن مصر أيضًا «وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، خصوصًا فى مصر، رأينا كيف أن هذا الانتقال سيكون شاقًّا، وأن محمد مرسى قد تم انتخابه ديمقراطيًّا، إلا أنه أثبت أنه غير راغب وغير قادر فى أن يحكم بطريقة كانت تشمل الجميع، والحكومة المؤقتة التى حلّت محلّه استجابت إلی رغبات الملايين من المصريين الذين آمنوا بأن الثورة أخذت منحى خطأ، إلا أن هذه الحكومة أيضًا اتخذت قرارات لا تتوافق مع الديمقراطية التى لا إقصاء فيها، وذلك من خلال قانون للطوارئ وقيود على الصحافة والمجتمع المدنى والأحزاب المعارضة».
ثم تناول أوباما موقف أمريكا من مصر ذاكرًا «وبالطبع تعرّضت الولايات المتحدة لهجوم من كل الأطراف فى هذا الصراع الداخلى، ومعه اتُّهمت بدعم الإخوان المسلمين والتخطيط لإطاحتهم من السلطة. وفى يقة فإن الولايات المتحدة تفادت قصدًا اختيار طرف دون الآخر، واهتمامنا الأساسى خلال هذه السنوات الأخيرة كان تشجيع حكومة تعكس شرعًا إرادة الشعب المصرى وتعترف بديمقراطية حقيقية التى تتطلب احترام حقوق الأقلية وسيادة القانون وحرية التعبير وحرية التجمع والمجتمع المدنى القوى».
وأضاف «وهذا يظل اهتمامنا اليوم. وبالتالى فى التحرّك قدمًا، فإن الولايات المتحدة ستبقى على علاقة بناءة مع الحكومة المؤقتة التى تعزّز مصالح جوهرية، مثل اتفاقات كامب ديفيد ومكافحة الإرهاب. ونحن سنواصل الدعم فى مجالات، مثل التعليم والتى تفيد بصورة مباشرة الشعب المصرى، لكن لن نستمر فى إرسال أجهزة عسكرية معينة، ومساندتنا سوف تعتمد على ما تحقّقه مصر من تقدّم فى سعيها لمسار أكثر ديمقراطية».
ما قاله عن مصر أثار بالتأكيد ردود فعل عديدة فى نيويورك وفى غيرها من مدن وعواصم العالم. نبيل فهمى وزير الخارجية المصرى والموجود حاليًا فى نيويورك، وفى حديث مع «سى إن إن» رحّب، ولكن بحذر، بما جاء فى كلمة أوباما، فمن جانب أشار فهمى إلى ما أظهرته واشنطن وأخيرًا من تفهّم أكبر للوضع القائم فى مصر، فإن فهمى أيضًا انتقد ما وصفه بأنه «ليس فهمًا أشمل لمصر» بخصوص ما ذكره أوباما عن الإقصاء وإجراءات قمع للحريات فى مصر.
خبراء ومهتمون بالشأن المصرى والديمقراطية فى العالم العربى وجدوا فى كلمة أوباما «تراجعًا غير مقبول» عن موقف الإدارة فى ربيع 2011 عندما اعترفت بأنها أخطأت عندما رجّحت من قبل الاستقرار على الديمقراطية، وأنها يجب أن «تصحح أخطاء الماضى». ديفيد أجناشيوس المعلق السياسى الشهير، وصف ما حدث بالنسبة إلى الموقف من مصر، بأنه الانحياز إلى الواقعية والبراجماتية، وإقرار من الإدارة بأنه عليها أن تتعامل مع الواقع الجديد مهما كان الأمر.
وهذا التوجه أو الاختيار البراجماتى من أوباما، انعكس، حسب أجناشيوس، فى كلمته عندما قال «ونهجنا مع مصر يعكس أمرًا أكبر. فالولايات المتحدة ستعمل أحيانًا مع حكومات لا تستوفى فى رأينا على الأقل التوقعات العالمية الكبرى منها، إلا أنها تعمل معنا بشأن مصالحنا الجوهرية. ومع ذلك نحن لن نتوقف عن تأكيد المبادئ التى تتسق مع مثلنا العليا، سواء كان هذا يعنى معارضة استخدام العنف كأسلوب لقمع الاعتراض أو دعم المبادئ التى تجسّدت فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان».
ثم قال «كما أننا سنرفض فكرة أن هذه المبادئ ببساطة صادرات غربية ولا تتوافق مع الإسلام والعالم العربى. ونحن نؤمن بأن هذه المبادئ حقوق يكتسبها كل شخص مع مولده. وفى حين أننا نعترف أن نفوذنا أحيانًا سيكون محدودًا، وعلى الرغم من أننا سنكون حذرين فى جهودنا لفرض الديمقراطية من خلال القوة العسكرية وعلى الرغم من أن أحيانًا سيتم اتهامنا بالنفاق وعدم الاتساق. فنحن سنكون منخرطين فى المنطقة على المدى الطويل. وأن العمل الشاق لصقل وتشكيل الحرية والديمقراطية لهو مهمة جيل».
ولا شك أن خطاب أوباما بمجمله وأيضًا فى الجزء الخاص بمصر يحمل كثيرًا من القضايا والأمور التى شغلت بال الشعب المصرى وحسّه الوطنى و«موقفه الغاضب والرافض» من تذبذب وتردّد الإدارة الأمريكية فى بيان نياتها ومواقفها. وبالطبع فإن قراءة مضمون هذا الخطاب ربما «تضع النقاط فوق الحروف»، إلا أننا نجد أيضًا وكما جرت العادة «القراءة الانتقائية» لما جاء فى خطاب أوباما. التركيز على بعض الأجزاء وإهمال أجزاء منها. وفى كل الأحوال فإن الهموم المصرية صارت همومًا عربية وإقليمية وعالمية تشغل بال الجميع. فكيف يمكن «توظيف» أو «"استثمار» هذه المشاركة والمشاطرة الدولية؟!


الدستور المصرى